ابراهيم بن عمر البقاعي

9

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

الآية ، كل هذا من باب إذهاب الحسنة السيئة ، وكأن ذلك مثال لما عرف المؤمنون من إذهاب الحسنة السيئة ؛ وأما نسبة السورة لقوله تعالى وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ فإن هذا أمر منه سبحانه لنبيه عليه الصلاة والسّلام بالصبر على قومه ، فأتبع بحال يعقوب ويوسف عليهما الصلاة والسّلام وما كان من أمرهما وصبرهما مع طول المدة وتوالى امتحان يوسف عليه الصلاة والسّلام بالجب ومفارقة الأب والسجن حتى خلصه اللّه أجمل خلاص بعد طول تلك المشقات ، ألا ترى قول نبينا وقد ذكر يوسف عليه الصلاة والسّلام فشهد له بجلالة الحال وعظيم الصبر فقال « ولو لبثت في السجن ما لبث أخي يوسف لأجبت الداعي » « 1 » فتأمل عذره له عليهما الصلاة والسّلام وشهادته بعظيم قدر يوسف عليهما الصلاة والسّلام وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ [ هود : 120 ] . لما قيل له وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ [ هود : 115 ] أتبع بحال يعقوب ويوسف عليهما الصلاة والسّلام من المحسنين وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ - إلى قوله وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ [ الأنعام : 84 ] وقد شملت الآية ذكر يعقوب ويوسف عليهما الصلاة والسّلام ، ونبينا عليه أفضل الصلاة والسّلام قد أمر بالاقتداء في الصبر بهم ، وقيل له فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ [ الأحقاف : 35 ] ويوسف عليه الصلاة والسّلام من أولي العزم ؛ ثم إن حال يعقوب ويوسف عليهما الصلاة والسّلام - في صبرهما ورؤية حسن عاقبة الصبر في الدنيا مع ما أعد اللّه لهما من عظيم الثواب - أنسب شيء لحال نبينا عليه الصلاة والسّلام في مكابدة قريش ومفارقة وطنه ، ثم تعقب ذلك بظفره بعدوه وإعزاز دينه وإظهار كلمته ورجوعه إلى بلده على حالة قرت بها عيون المؤمنين وما فتح اللّه عليه وعلى أصحابه - فتأمل ذلك ، ويوضح ما ذكرنا ختم السورة بقوله تعالى حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جاء نَصْرُنا [ يوسف : 110 ] الآية فحاصل هذا كله الأمر بالصبر وحسن عواقب أولياء اللّه فيه ؛ وأما النسبة لقوله وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ [ هود : 118 ] فلا أنسب لهذا ولا أعجب من حال إخوة فضلاء لأب واحد من أنبياء اللّه تعالى وصالحي عباده جرى بينهم من التشتت ما جعله اللّه عبرة لأولي الألباب ؛ وأما النسبة لآية التهديد فبينة ، وكأن الكلام في قوة اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ - وَانْتَظِرُوا

--> ( 1 ) صحيح . أخرجه البخاري 3387 و 6992 والترمذي 3116 والبغوي في المعالم 2 / 395 و 396 والطبري 18397 و 18398 وابن حبان 6207 وأحمد 2 / 322 كلهم من حديث أبي هريرة بأتم منه واللفظ للبخاري .